رئيس التحرير/ عرفه الدالي
Booking.com

بعد تصويت المونديال.. العلاقات بين مصر والمغرب تاريخية وروحية وثقافية واقتصادية ممتدة

img

على الرغم من خسارة المغرب حق تنظيم بطولة مونديال 2026، لصالح الملف المشترك بين أمريكا وكندا والمكسيك، إلا أن تصويت مصر لصالح الملف خلال الفعاليات التي أقيمت قبيل حفل افتتاح مونديال 2018 في روسيا أمس الخميس، أكد عمق ودفء العلاقات بين البلدين والمستمرة منذ فجر التاريخ، على الرغم من أن ملف المغرب كان مشرفا وقويا ونال ثقة وتقدير العديد من دول العالم، ما يدل على أن المغرب قادر على تنظيم العرس الكروي الأهم مستقبلا.
شكر الملك
وقد ترجم ذلك شكر خاص وجهه الملك محمد السادس، إلى مصر شعبًا وقيادةً على "الموقف المشرف"، ونقله وزير الخارجية ناصر بوريطة إلى سفير القاهرة في الرباط أشرف إبراهيم، مؤكدًا أن ذلك يعكس العلاقات الراسخة والتاريخية بين البلدين الشقيقين؛ وما يجمعهما من روابط شعبية ورسمية قائمة على الاحترام والثقة والتعاون.

شهادة الرئيس السيسي
وقبل خطوة الملك محمد السادس، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال استقباله الحبيب المالكي، رئيس مجلس النواب المغربي، مطلع إبريل الماضي، أن هناك علاقات مميزة وقوية تربط بين البلدين الشقيقين على مختلف المستويات، مثمنًا دور الرباط في دعم مصر وخيارات شعبها، ومستوى التعاون خصوصًا في مجال مكافحة الإرهاب والمشاورات حول سبل التصدي للتحديات التي تواجه الأمة العربية، خصوصًا وأن القاهرة دعمت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي.

تفوق تجاري للقاهرة وتنسيق ضد الإرهاب
وقد شهد شهري يناير وفبراير الماضيين، اجتماعات اللجنة المشتركة بين البلدين، والتي أعقبت استقبال ملك المغرب وزير الخارجية المصري سامح شكري في القصر الملكي بفاس، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والمغرب 500 مليون دولار، ويميل الميزان التجاري لصالح القاهرة التي تعمل على مواصلة دعم العلاقات التجارية مع المغرب وتسوية أية مشكلات تجارية، سواء في إطار ثنائي أو في إطار اتفاقية أغادير للتجارة الحرة التي تضم مصر والمغرب وتونس والأردن ولبنان.

كما أن الاستثمارات المغربية في مصر، تتنامي وتوفر الخطوط الجوية المغربية عروض لرجال الأعمال المغاربة لزيارة مصر واستكشاف فرص جديدة للاستثمار ، مع وجود عدة استثمارات مصرية في المغرب أحدثها افتتاح أحد مصانع الحلوى المصرية في الدار البيضاء في خلال العام الماضي، فيما شهدت اجتماعات اللجنة المشتركة اجتماع آخر لمجموعة التعاون والصداقة "المصرية - المغربية"، بهدف تعزيز الجهود للارتقاء بمستوى العلاقات الثنائية وتشجيع الجهات التنفيذية في البلدين للارتقاء بمجالات التعاون المشتركة، من بينها التبادل الاقتصادي والتجاري، والعلاقات الثقافية الثنائية، وكافة موضوعات الاهتمام المشترك.
ومن المعروف أن اتفاقية أغادير التي تجمع البلدين مع تونس والأردن، فرصة جيدة لرفع مستوى التجارة البينية، خصوصًا مع تطور القدرات الإنتاجية للقطاع الخاص، فضلا عن كون مصر تمثل سوقًا كبيرًا يصل إلى 104 ملايين نسمة، وتمتلك اتفاقيات للتجارة الحرة أبرزها اتفاقية الكوميسا، ما يمنح رءوس الأموال المغربية فرصة النفاذ إلى أسواق تلك الاتفاقية في شرق ووسط إفريقيا، وعلى الجانب الآخر يتعبر المغرب ثاني أكبر مستثمر في القارة السمراء بعد جنوب إفريقيا، ويمتلك اتفاقيات تجارية متعددة مع دول القارة، فضلا عن قربه من السوق الأوربية ووجود اتفاقيات مع الاتحاد الأوربية، ما يشكل فرصة لنفاذ الصادرات المصرية إلى دول القارة العجوز.

ويعتبر دخول الدول الإفريقية هدف مشترك من القيادة السياسية بكلا البلدين، بهدف تحقيق منفعة متبادلة ومساعدة الأفارقة على تحقيق التنمية، والاستفادة من ثروات بلادهم ومواجهة تحديات الحروب والمجاعات، وإيقاف نزيف نهب خيراتها من الدول الأوربية التي كانت تحتلها في السابق، خصوصًا وأن القاهرة والرباط تمتلكان ثقل كبير وتاريخي في تلك الدول، فالأولى لها تأثيرها في شرق ووسط القارة والثانية لها ثقلها في منطقة الغرب الغنية بالثروات المعدنية، وتعونهما في ذلك المجال يحقق الرفاهية للشعبين، ويسهم في رفعة وتقدم دول القارة السمراء.

موقف مصر من قضية الصحراء المغربية
وتعتبر قضية الصحراء المغربية قضية حياة أو موت بالنسبة للمغاربة، ومصر كان موقفها واضح من جبهة البوليساريو الانفصالية، وترجمه سفير مصر بالرباط أشرف إبراهيم ، الذي قال في تصريحات رسمية عقب توليه المنصب مطلع العام الحالي، نشرتها وكالة أنباء الشرق الأوسط، أن موقف مصر الواضح هو أنها لم ولن تعترف يومًا بالإنفصاليين ولا ما يسمى بالجمهورية الصحراوية، وأن القاهرة "ملتزمة بالوحدة الترابية ودعم الحل الأممي لقضية الصحراء والمشروع المغربي الذي هو الحكم الذاتي".

60 عاما على العلاقات الدبلوماسية
وقد شهد عام 2017، احتفال البلدين بالذكرى الستين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية، أما ما يجمع حقيقة شعبى البلدين فهو تاريخ طويل من العلاقات المتميزة والدافئة، بدأ في أعقاب البعثة النبوية لسيد الخلق سيدنا محمد صل الله عليه وسلم قبل 14 قرنا حتى الآن، فالشعبين جمعتهما سمات مشتركة وتقارب فى المسيرة التاريخية وارتباط على مستويات متعدّدة، سواء كانت اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية وسياسية.

تأثير المغرب في مصر
وعلى مر السنين تأثر المصريون بالمغاربة والعكس، وكانت الغلبة لأهل المغرب نظرًا لأن المحروسة طوال الزمان كانت تجتذب عشرات الجنسيات والأعراق، ويكفي أن نعرف أن القاهرة شيدها المغاربة، ولا يزال هناك أماكن وشوارع تحتفظ بأسماء قبائل مغربية حلت بها مثل الزويلة وكتامة والباطنية والبرقية وغيرها، ويعود ذلك إلى موكب الحج الذي مثل شريان رئيسي استمر عبر قرون يمر من مصر ويعتبرها محطة رئيسية إلى الأراضي المقدسة الحجازية، فلم يستقر الحجاج المغاربة إلا في مصر التى يصلونها بعد ثلاثة أشهر من سفرهم، فيرافقون كسوة الكعبة المشرّفة التى كانت تُصنع فى مصر حتى عام 1969 مع ثورة الفاتح فى ليبيا.

أقطاب الصوفية بمصر مغاربة
ومنهم من كان يستقر في مصر ولا يعود، ولعل أبرز أقطاب الصوفية في مصر جاءوا من المغرب، واستقروا في المحروسة ودفنوا فيها وأصبحوا ملهمين لعدد كبير من المصريين عشاق التصوف وأهل بيت النبوة مثل العارف بالله أبو الحسن الشاذلي في جبال البحر الأحمر بالقرب من أسوان والسيد أحمد البدوي في طنطا والمرسي أبو العباس في الإسكندرية، وغيرهم الكثيرون.

وعلى المستوى الروحي أيضًا، كان لمصر دور فى نقل الإسلام إلى المغرب، كما سهلت مرور مولاي إدريس الأول كى يمر إلى المغرب، ومعه قبيلة الأدارسة الحسينية فى النصف الثانى من القرن الثانى للهجرة فرارًا من الاضطهاد العباسي، قبل أن يعود جزء منهم إلى مصر ويستقرون في أسوان.

كما أن ثقافة التصوف قد شهدت ندية بين الشعبين، فالثقافة المصرية جزء من الميراث الروحي المغربي، والعكس يتمثل الأخير في العمارة المصرية والتصوف وحتى الموسيقى، حتى أن مسجد الأزهر الشريف منارة العالم الإسلامي، ومنبر الوسطية، بناء المغاربة الفاطميين، على نفس نسق مسجد القرويين في مدينة فاس، التي كانت تشهد انطلاق مواكب الحج إلى مكة.

دعم عسكري متبادل
وقد كان التاريخ شاهدًا على الدعم العسكري من مصر للمغرب والعكس، ويذكر المؤرخ الجبرتي أفواج المغاربة الذين قدموا إلى مصر للجهاد ضد حملة نابليون الفرنسية، فضلا عن كتيبة كاملة من الجنود المغاربة فى حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973 على الجبهتين المصرية والسورية، فيما دعمت مصر استقلال المغرب وتخلصها من الاستعمار في عهد الزعيم جمال عبد الناصر، حيث استقبلت القاهرة عبد الكريم الخطابى زعيم المقاومة فى الريف وأحد أبرز مؤسسى المقاومة الشعبية للاحتلال فى التاريخ العالمى المعاصر، وهو الذي قام الاحتلالين الفرنسي والإسباني من الريف بشمال المغرب.

القاهرة الحضن الدافئ لحركة التحرر
وبعدما تم نفي الملك محمد الخامس عام 1953، احتضنت القاهرة الزعيم المغربي علال الفاسي الذي أطلق نداء القاهرة، وبعدها كانت المحروسة هي الحضن الدافئ لحركة المقاومة والكفاح المغربية من أجل الاستقلال، حيث لعب مكتب التحرير المغربي بحي الزمالك دورًا مهمًا في الأحداث، قبل أن يتحول إلى مقر السفارة المغربية بالقاهرة عقب الاستقلال، فضلا عن إذاعة "صوت العرب" ودورها في الترويج للقضية والمطالبة بتحرر المغرب من الاستعمار، ما ترجمه فيما بعد علاقة صداقة وأخوة وثيقة، كان أبرز مشاهدها مشاركة الملك محمد الخامس فى وضع حجر أساس السد العالى مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

دور بارز في عودة الجامعة العربية للحضن المصري
وقد كان للمغرب دورًا بارزا في عودة مقر الجامعة العربية إلى الحضن المصري، بعد الخلاف الذي دب بين العرب عقب اتفاقية السلام كامب ديفيد بين مصر ودولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث استضافت الدار البيضاء القمة العربية، وأدرج أول بند على جدول الأعمال عودة الجامعة إلى مصر، فضلا عن مساهمتها في إعادة العلاقة العربية المصرية إلى طبيعتها في القمة التي عقدت بالأردن عام 1987، كما أن المغرب دعم إرادة الشعب المصري في 30 يونيو، وأيد خارطة الطريق وكان الملك محمد السادس أول المهنئين للرئيس السيسي عقب فوزه بالانتخابات الرئاسية في الولاية الأولى 2014.

وتدرك القيادة السياسية في كل منهما أنهما يمثلان جناحي العالم العربي، وأهم ركائز استقراره، وهي حقيقة فرضتها الظروف والتاريخ، لكونهما أقدم حضارتين في الجزء الإفريقي من الوطن العربي، فضلا عن احتلالهما موقع استراتيجي على طرفي شمال القارة السمراء، واحدة منهما مدخل قارة أسيا والثانية مدخل قارة أوروبا، ما يؤكد حتمية التعاون الإستراتيجي المشترك بهدف مواجهة التحديات ومكافحة الإرهاب وإحداث نقلة اقتصادية مطلوبة تحقق رفاهية الشعبين والعدالة الاجتماعية.

مصر بوابة الشهرة والمجد
وظلت مصر حتى يومنا هذا تمثل البوابة الكبيرة للفنانين والشعراء والمثقفين المغاربة للدخول إلى عالم الشهرة والمجد، ولعل أحدثهم على المطربة سميرة سعيد، ولم يكن ذلك فقط لأن القاهرة كانت مركز الإشعاع الثقافي والفني الوحيد بالمنطقة خلال القرون من الثامن عشر الميلادي وحتى العشرين، ولكن لأن الأدباء المصريين مثل نجيب محفوظ وعباس العقاد ويوسف إدريس وغيرهم، ساهموا من خلال رواياتهم في تشكيل وعي المثقف والقارئ المغربي، كما أنك إذا زرت المغرب حتى الآن تجد أصوات أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم تصدح في الشوارع والأزقة وعلى المقاهي والأسواق الشعبية.

كما يؤكد ذلك عشق المغاربة لزمن الفن الجميل في مصر، والذي يعتبر أبرزه الصداقة التي كانت تجمع العندليب عبد الحليم حافظ، مع الملك الراحل الحسن الثاني، واستقباله الأول أكثر من مرة، فضلا عن زيارات سيدة الغناء العربي أم كلثوم المتكررة له وتقديره لها ولنجوم الطرب المصريين.

بالإضافة إلى ذلك، شكل البروتوكول الموقع بين البلدين عام 1954 عقب استقلال المغرب، جسر ثقافي متواصل تجلى في تفاعل المثقفين والأدباء المغاربة مع الأحداث الثقافية في مصر، وشخصية مصر الثقافية التي تنفرد بها عن دول العالم، كما كان نظراؤهم من المصريين في شغف للاطلاع على الثقافة المغربية بتونعها وانفتاحها على ثقافات العالم الخارجي وتحديدًا الأوروبي.
نقلا عن / بوابة الاهرام

تعليقات الفيس بوك

ضع تعليق باستخدام حساب الفيس بوك
Booking.com