رئيس التحرير/ عرفه الدالي
Booking.com

عن الشعر وعوالمه: عزيز العرباوي

إن الشعر ذا طبيعة مختلفة عن طبيعة العلوم والمعارف المختلفة التي تستعمل اللغة وسيلة للتعبير عنها، بحكم أنه ليس قانوناً اجتماعياً أو فلسفياً أو ثقافياً. فهو طريقة تعبير خاصة لا يمثل الموضوع فيها إلا عنصراً من عناصر القصيدة المختلفة... إنه عالم خاص مستقل عن العالمين الداخلي والخارجي، يحتكم إلى الأسطورة والرمزية والخيال في تبني مرجعيته الخاصة. والشعر يتميز عن الدين والفلسفة والعلم بكل أنواعه من حيث وظيفته الجمالية، لأنه لا يرمي إلى تقديم غاية مباشرة، بل بالعكس فغايته هي الإيقاع والدهشة، ولا يرمي إلى تقديم معرفة معلبة جاهزة ينافس بها العلم بل له معرفته الخاصة به التي تظهر من خلال جماليته التعبيرية واللغوية.
ولا يمكن فهم الشعر إلا من خلال مصادره التي تبقى مجرد مادة أصيلة تغنيه وتقويه. ولا قيمة شعرية لها في ذاتها. فالشاعر يأخذ من هذه المصادر بطريقة خاصة به حسب رؤيته المعرفية والفنية، ورغم أنها لا تحدد ماهية الشعر بصفة نهائية، فهي تغنيه وتجعله ليس مجرد فكرة أو رأي أو موضوع معرفي ما، بل نظام وطريقة ورؤية متمعنة للحياة والواقع والكون. وبالتالي فما يحدد الشعر هو الشعر نفسه، الجنس الأدبي بكل تجلياته الجمالية والفنية والأسلوبية.
فالشعر يحتاج إلى ثقافة ورؤية عميقة على المستوى الفني والفكري، لأنه ليس كلاماً جميلاً مدهشاً فقط بل هو موقف واضح من الحياة عامة. إنه تفسير وتغيير معاً، ولا يمكنه أن يقوم بهذا الدور دون استناده إلى ثقافة معينة. وهو يهدف إلى تجميل الحياة والعالم من خلال تصويره الفني للأفضل وتكريس الحرية الفنية والفكرية والتعبيرية. والشعر ليس صناعة فنية وأسلوبية مدهشة بل هو موقف أيضاً وتصور خاص للحياة والكون.
إن الشعر تعبير مباشر عن ذات صاحبه الساكنة التي تتوجه نحو العالم والحياة. ولذلك فهو يصدر من ذات أخرى غير الشخصية العادية كما يرى بوشكين. وذلك بتحويل المادة النفسية والفكرية إلى مادة فنية مدهشة. فكل شعر يتجلى بطريقة مختلفة نتيجة معاناة خاصة وظروف خاصة لا يمكن لها أن تستعيد ذاتها مراراً وتكراراً. والشاعر لا يمكن له أن يدرك تشكيل هذا الشعر. لأن الشعر ليس عملية حسابية يستطيع الشاعر معرفة كنهها ومفاتيحها وتحديد نتائجها. وبالتالي فهو عملية فنية تخييلية تتجلى في قدرة الشاعر على تطويع لغته وثقافته وإرادته في الإبداع والخلق.
وبالثورة على المفاهيم الشعرية التقليدية، والمقاييس الشعرية المعتمدة بدأ البحث عن إبداع جديد بديل في الشعر والفن والإبداع الشعري، فظهر الشعر الحر، ثم ظهرت قصيدة النثر، على أيدي رواد كبار تميزوا في الشكلين الجديدين معاً، فأخذ الشكل الأول يتطور مع كبار الشعراء، كنازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، ونزار قباني، وعبد الوهاب البياتي،.... وغيرهم. ثم تجدد مع شعراء قصيدة النثر أمثال محمد الماغوط، وتوفيق صايغ، وفاتح علاق،.... وغيرهم. وبالتالي، أصبح الشعر الحديث محل تعبير عن فن جديد وحياة جديدة، فأنتج شعراً جديداً أبدعته مرحلة معينة من تاريخ الثقافة العربية التي كانت في حاجة إلى التجديد وإلى كل ما هو حديث أسوة بالعديد من الأمم الأخرى. فكان الشاعر العربي في حاجة إلى إثبات ذاته ونفسه من خلال البحث عن شكل جديد في الشعر يستطيع من خلاله التعبير عن حاجات أمته ومجتمعه ونفسه.
ولقد أدى الخروج عن الوزن والاهتمام الحصري باللغة الشعرية كمقياس أولي للشعر إلى إدخال قصيدة النثر في الشعر، وذلك بإعادة النظر في الأنواع الأدبية كما دعا أدونيس إلى الكتابة الجديدة... وبالتالي، أصبح الشعر تعبيراً فنياً يبحث عن معنىً، من خلال تكريس مفهوم جديد للجمال يعبر عن رغبة الإنسان في الحرية والكرامة والتعبير والعدل والمساواة.
ومن هنا، يرى رواد الشعر العربي الحديث أن الشعر هو رؤيا وخصائصه الفنية هي امتداد لهذه الرؤيا. وهذه الرؤيا الخاصة تكون نتيجة لعلاقة معينة بأشياء العالم. والرؤية والرؤيا غير منفصلين فيما بينهما لأن الرؤيا هي نتيجة حتمية لما تتوصل إليه الرؤية عامة. وهذه الأخيرة هي نظرة حسية تجزيئية للأشياء تقف عند المظاهر الخارجية. والرؤيا تتجاوز الظاهر إلى الخفي لتُظهر علائق جديدة تعيد على ضوئها تحديد الأشياء ثانية وخلق عالم جديد وحياة جديدة.
وما يمكن أن نخلص إليه في هذه المقدمة القصيرة، هو أن الشعر ينطلق من الواقع فيستقل عنه في المرحلة الثانية ويختلف عنه، ويؤسس لذاته عالماً خاصاً به جمالياً ودلالياً وفنياً. وبالتالي، فهو يثير هذا العالم من حيث الوعي به ومعرفته وتحديده تحديداً فجائياً ومدهشاً. إنه يتماهى مع العالم ومع الواقع لكنه يرسم لوحة لها طبيعتها الخاصة. سواء كان شعراً موزوناً مقفى، أم شعراً حراً، أم شعراً نثرياً (قصيدة النثر). فالشعر إبداع وخلق، والمهم فيه ليس الشكل والمضمون بل الإبداع المتميز والمدهش لأنه عنوان للشعرية والتميز الفني والأدبي، بعيداً عن الرداءة والفقر والفشل.