رئيس التحرير/ عرفه الدالي
Booking.com

من الكبت الاجتماعي الثقافي إلى الرفض المطلق للقدوة

بقلم: عزيز العرباوي
يعاني الفرد العربي اليوم ومنذ زمان ليس بالقصير كبتاً اجتماعياً وثقافياً ظاهر العيان، نظراً لكونه يتردد كثيراً قبل التعبير عن ذلك، معتبراً أن كل شيء أو كلام عن مشاعره وأحاسيسه أمام الملأ أو حتى أمام أقرانه يجعله ملاذاً للسخرية والهزء من الآخرين، وبالتالي يتراجع عن ذلك، ويلتزم موقعاً خاصاً به بعيداً عن المشاكل والمنغصات الحياتية.
إن ما يميز شبابنا العربي اليوم هو الافتقار إلى الإمكانيات الثقافية والفكرية والاجتماعية والمادية والمعنوية للإبداع والخلق، وهذه الميزة تنطوي على عدة مضامين اجتماعية وثقافية ونفسية ودينية تتطلب البحث فيها وانتقادها وإيجاد الحلول لها. ويظهر أن هذا الافتقار لهذه الأمور يأتي نتيجة لظروف اجتماعية وثقافية واتجاهات فكرية ودينية مطبوعة بالعديد من الأفكار المتناقضة والعادات والتقاليد والثقافات الشعبية المسيطرة على العديد من المجتمعات العربية. فالعديد من مشكلات الشباب يرجع إلى الكبت الاجتماعي والثقافي الناتج عن ضيق الحقول الثقافية والاجتماعية للفكر الحرِّ وكثرة الاتجاهات الفكرية والثقافية تجاه القيم والأخلاق والأفكار الشبابية...
ونرى أنَّ جيل الشباب العربي المعاصر جيل غاضب غضباً شاملاً وواضحاً. غاضب من الأجيال التي سبقته ومن اﻟﻤجتمع الذي ينتمي إليه. يجمع أفراده على مختلف فئاته وأجناسه تخاصم عنيف مع الواقع الذي يعيشون فيه وحتى مع أنفسهم ويسرى الغضب في اتجاهاتهم وأحاديثهم وتصرفاتهم كشيء بسيط وروتينيٍّ، وإن اختلفت في مستواها من فئة إلى فئة، ومن موقف إلى آخر، ومن فرد إلى فرد آخر. فمرحلة الشباب هي من أخطر مراحل دورة الحياة نظرًا لاتساع ما يحدث فيها من تحولات وعمق تأثيره في الذات وعلاقاتها بالآخرين والواقع. ومن ثمَّ فإنها الرحلة التي تتطلب أكبر قدر من إعادة تنظيم العلاقات بالفرد والآخرين الأهم في حياته، ومن أهمهم أبواه وإخوته وأصدقاؤه ومربوه. إلا أن ما يحدث هو عكس ذلك إلى حدٍّ بعيدٍ. صحيح أن علاقات الشاب بالآخرين وبخاصة في أسرته تمرُّ بعملية إعادة تنظيم. ولكنها تكون عادةً أعقد وأقل سلاسة وقابليةً من الحالة التي كانت عليها في مرحلة الطفولة. فحتى الفرد الذي نشأ على حبِّ أبويه له وقيمتهما في نظره، تثور لديه شكوك عديدة في حسن تقبُّلهما له ودفء عاطفتهما نحوه، ومن ثم يفقدان جزءاً كبيراً من قدرتهما على الإلهام والاستثارة العقلية والإبداع والخلق.
يعيش الشاب العربي حياة ملؤها الحزن الداخلي وإن كان لا يظهر ذلك إلا لماماً، وكلما سنحت له الفرصة للتعبير عن ذلك. فلم تعدِ الأسرة تدرب الشباب على تحمل مسئولياتهم في الحياة. والتعليم الذي حصلوا عليه لا يقدم لهم غير القليل من المعارف العصرية ويعطل فرص اكتساب خبرات حية تؤهلهم لتكيفٍ مجدٍ مع الواقع، بل إنه يقتل فيهم روح الابتكار والإيجابية ويربيهم على السلبية والمسايرة والانصياع. ولذلك يعيش الشباب العربي أزمةً حقيقية داخل الأسرة نظراً لوجود هوةٍ عميقة بين الآباء وبينهم كجيل مختلف عنهم وعن قناعاتهم وأنماط تفكيرهم. ويخطئ الأهل من ناحيتهم حين يصرون على التعامل مع الشاب بالمنطق نفسه، والأساليب ذاتها التي تعودوا معه بها حين كان طفلاً، وحين يرفضون إعادة النظر في فهمهم له وتقديرهم لمطالب نموه واستعدادهم لتحمُّل مسؤوليتهم تجاهه وأثناء نموه الطبيعي عقلياً وجسدياً واجتماعياً.