رئيس التحرير/ عرفه الدالي
Booking.com

الفرد وتطوير الذات

أعتقد صراحة أن الفرد في العالم العربي يعيش انفصاماً في شخصيته وثقافته، ويعاني من غياب التوازن العقلي والنفسي وذلك راجع إلى ما يعيشه ويشاهده يومياً من أحداث ووقائع تحدث في وطنه. إن هذا الفرد الذي يختبر الألم يومياً ويعانيه داخلياً يصعب عليه العيش بكل سلام وأمن نفسي، لأنه يتخوف من أن يتعرض للأذى في كل لحظة. فبعد أن كان هذا الفرد يوماً ما، يشعر بالأمن والراحة النفسية التي يجدها في وطنه، أصبح يتألم داخلياً فيؤثر ذلك عليه وعلى ذاته. إن تطوير الذات لدى الفرد العربي يصطدم بهذا الواقع فلا ينتج إلا الأزمات النفسية والاجتماعية والثقافية. وبالتالي يصعب تحقيق نوع من التنمية على مستوى الفرد والمجتمع.
إن المصائب التي تطل على الفرد تعرض الذات إلى نوع من النكوص والانكماش الداخلي. ورغم ما نراه ونشاهده في الشارع الربي من مظاهر الاحتفال، وما نراه على شاشات التلفاز من مشاهد البهجة والسعادة، وما نسمعه من أصوات تدعي السعادة والأمل في الحياة وفي المستقبل، ليس إلا مظاهر خداعة زينوها بمساحيق حتى يقدموا للمتلقي شيئاً جميلاً يغري بالمشاهدة والمتابعة بينما الحقيقة شيء آخر. فالفرد في العالم العربي ضعيف، تابع، مسكين، خائف،... في غياب الجماعة، ولا يشعر بقوته، أو بقيمته إلا داخلها. لأنه يدرك أهميتها في الدفاع عنه، وتحقيق نوع من التوازن النفسي لديه. فلو انفرد وابتعد عن هذه الجماعة (كيفما كان لونها وجنسها ودينها..) فإنه سيصير لقمة سائغة يسهل هضم حقوقه.
يجد الفرد العربي نفسه في مجتمع يعيش على النفاق والوعي الزائف والمراوغ، ولا يشعر أنه يعيش أي شكل من أشكال الشفافية والوضوح في العمل والرؤية. وبالتالي يصعب عليه تطوير ذاته في هذه الظروف المحيطة به مهما حصَّل من العلم والمعرفة والثقافة. فكيف لمثقف عربي أن يحقق ما يطمح إليه وهو يتعرض يومياً للهزات العاطفية والاجتماعية؟ أو وهو يصطدم بالبيروقراطية في ميدان عمله؟ أو وهو يتعرض للنفي والتجاهل مقابل ترقية الجاهل والغشاش والسارق ودعم السافل والمتملق؟ ألا يؤثر هذا كله على الفرد المثقف فيسقط في العزلة والوحدة والهروب إلى الذات؟.
إن البحث عن السلام الروحي لدى الفرد العربي يمر عبر تطوير ذاته وتنمية مداركه، ولن يتأتى له هذا الأمر إلا بخلق جوٍّ من الراحة الداخلية والأمن النفسي بعيداً عن التفكير في المشاكل والأحداث التي تنغصه وتخلق لديه نوعاً من التأثير السلبي على مستوى التفكير والوعي.
تغيب ثقافة تطوير الذات لدى بعض المواطنين العرب عموماً، هذه الثقافة التي نقصدها، هي الثقافة المتعلقة بالوعي الجمعي لخدمة المجتمع والمساهمة في رقيه وتطويره. بينما أغلب ما يفكر فيه هذا المواطن هو تنمية رصيده المالي والرقي في المراتب الاجتماعية والسياسية ولو على حساب الآخرين. فيساهم من حيث يدري أو لا يدري في تدمير مجتمعه واستغلال مقدراته وثرواته في تسمين أرصدته البنكية سواء بالسرقة أم بالاختلاس أم عن طريق تملق المسؤولين ورجال المال والأعمال والتقرب منهم لتحقيق غايته وأهدافه غير السليمة.
إن بناء الذات لدى الفرد العربي يمر عبر تحقيق الجو الملائم لهذا البناء، وذلك من خلال توطين الثقافة في المجتمع والرفع من قيمتها وتحقيق التوازن الاقتصادي والسياسي بين أفراد المجتمع بالعدل والمساواة. فلا يمكن لأي فرد، سواء أكان مثقفاً أم لم يكنْ، أن ينجح في تجاوز الفشل في حياته أو الغش في عمله، أو الاختلاس من المال العام، إلا إذا كان متسلحاً بثقافة قوية رادعة اكتسبها داخل مجتمعه وتربى عليها في مسار حياته كلها.